الأحد، 29 يناير 2017

الطوفان الأسود " قصة قصيرة " بقلم الأديب الأستاذ محمد الحلبي / مجلة تجمع الأدباء والكتاب السوريين والعرب الأحرار رئيس التحرير محمد أحمد خليفة

{{ الطوفان الأسود }}. قصة قصيرة

لم تشرق الشمس منذ أيام طويلة ، وكأنها غادرت هذه السموات التي لم تعد فيها سوى سحب فاحمة ترشق وجه الأرض مطرا أسود يصبغ كل الأشياء باللون القاتم .
هذا المطر القاتل للزرع والثمر ، وحتى للأعشاب الملتصقة بالصخور ، ينهمر منذ أيام لذا انتشرت في أزقة القرية المتعرجة رائحة العفونة ، ورائحة روث البقر ، وبعر الماعز ، لتطغى على رائحة البشر .

أقفرت الحقول والدروب ، من الناس ، ولاذت الحشرات إلى شقوقها ، ولم تعد تسمع زقزقة عصفور أو صدى ضحكة تخرج من أحدى زوايا القرية .
الكل قلق على مصير بذاره في جوف الأرض ، أو ثمار أشجاره التي انتظرها مدى عام ، وبهائمه التي قارب علفها على النفاد .

في كل صباح يستيقظ العجائز على أمل أن تكون السماء قد ابتسمت لهم أخيرا ، لكن سرعان ما يشيحون بوجوههم ، ويعقدون ما بين حواجبهم ، فيختفي الأمل .
القرويون البسطاء كانوا ينظرون بعيون غائبة في الحزن إلى مصير قريتهم)) أم صخر )) وهي تتهاوى في الهلاك ، وكانت قد سميت بهذا الاسم نسبة إلى مكانها المتموضع أسفل صخرة كبيرة على منحدر بين جبلين ، لقد فقدت ثوبها الأخضر ، وإطلالتها الجميلة وتقلقل نبض الحياة شيئا فشيئا في أوردتها ، راح القلق ينخر عقول أهلها بشدة :
ـ إلى متى ... ؟
والآخر يقول بحسرة :
ـ حتى مياه النبعة تلوثت .. إنها نهايتنا !
ويتابع الذي بجانبه دون أن يرفع بصره :
ـ يبدو أنها نهاية سوداء .
لكن )) أبو طلحت )) هو أشد المغتاظين لأنه أكثرهم أملاكا ، لذا فهو يطلب حلا سريعا ، ولايهمه إن كانت معجزة ، لتنتشل أملاكه من الضياع ، أما الحاج )) أ بو ياسين (( الذي كان يحاور المختار مباشرة لأنه اعتاد الجلوس على يمينه دائما لكبر سنه فقد كان يقول :
ـ إنها مصيبة وحلت على رؤوسنا يامختار ، ففي كل يوم يزداد الأمر سوء ، وأيامنا باتت على وتيرة واحدة ، تبعث الهم والأسى والقلق من القادم ، بصراحة فقدنا الأمل .
هنا همهم الجميع :
ـ فقدنا الأمل !!!! نعم ....
بهكذا كلمات كانوا يصوّرون عجزهم ومأساتهم كل مرة في مضافة المختار )) أبو أيوب ((تحت تهديد المطر المستمر الذي ينقر على النوافذ ينذر ، ويتوعد ، والمختار يرفع رأسه بين الفينة والأخرى ليقول :
ـ حسبنا الله ونعم الوكيل !!
والأمور مختلطة في رأسه .
وفي كل مرة أيضا ، كانت تنشب مشادّات ، وملاسنات ، ونقاشات حادة ، تكاد تتطور إلى تلاكم بالأيدي ، بين الشيخ عبد الجليل إمام مسجد القرية وجماعته ، وبين الأستاذ نادر ، معلم أولاد القرية الوحيد وجماعته من الشبان المتحمسين لأفكار الكتب ، التي يأتي بها الأستاذ من المدينة .
كان الشيخ يجزم بأن هذا المطر القاتل هو لعنة من السماء ، أما الأستاذ فهو يصرُّ على أنه تلوث بيئي ، ومن هذين المنطلقين ، كانت تمتد وتتفرع حوارات ساخنة ، وكل متحدث من الطرفين كان يُرغي ، ويُزبد ، وهو يدافع عن مبدئه ، وحدقتا عينيه تتوسعان ، والشرر يتطاير منهما ، والقرويون صامتون ، يتأملون من كل هذا خيرا مفضيا إلى حل .

ذات صباح استيقظوا على صوت بكاء ، ونواح يصدر من أحد بيوت القرية ، فهرعوا مستطلعين . كان الصوت ينبعث من بيت(( أبو إبراهيم (( وزوجته تضع رأس ابنها (( سليمان (( ذا السنوات العشر على ركبتها ، وتبكي ، والطفل يئن و يصارع آلامه و أبو إبراهيم يجلس على عتبة بيته يمتص سيجارته ، وينفث دخانها بمرارة ، محملقا إلى السماء ، وكأنه يحاورها ، وعند الظهيرة كان الطفل يحتضر على الرغم من كل محاولات الإنقاذ له فتح الطفل عينيه ، ونظر إلى أمه ، حاول أن يقول شيئا ، لكن خيطا من الدم تدفق من فمه ، وانطفأت عيناه ،و سكنت أطرافه ، ومات .
علا نواح الأم ، وبكى أبوه ، والغضب يخنقه ، وهو يلعن المطر الأسود ، الذي اصطحب معه الجوع والوباء ، و سلبه فلذة كبده .
بعدها كثرت اجتماعات أعيان القرية ، وازدادت الخسائر ، كما ازدادت الملاسنات ، والمشاحنات بين الشيخ عبد الجليل ، والأستاذ نادر ، بل قيل أن شابا من جماعة الأستاذ قد حاول شد لحية الشيخ والنيل من هيبتها لولا تدخل المختار ، والآخرين ، فطرده الأستاذ لأنه على حسب رأيه خرج عن سلوكهم الذي يدعوا إلى الحوار .
جرى كل هذا على مرمى نظر أبو إبراهيم الذي لم يتمالك نفسه ، فإذا به يقفز كالملدوغ ويركض نحو الباب ، وهو يغمغم بكلمات غير مفهومة ، وماهي إلا لحظات حتى جاءهم خبر عن نيته الرحيل عن القرية .
وبالفعل عند وصولهم إلى بيته كان الرجل وأبناؤه ينقلون الأثاث خارجا وعلى الفور تدخل المختار :
ـ إلى أين يا أبو إبراهيم ؟
ـ إلى حيث لا يوجد هذا المطر .. ولا الشيخ ولا الأستاذ !
قال ذلك وهو يتابع حمل الأثاث .
ثم تابع دون أن يكلّف نفسه الاستماع لأي كلام :
ـ تبا للقيل والقال ... تبا للكتب والشعارات
ثم توقف وكأنه وجد الكلمات المناسبة التي يودُّ قو لها :
ـ تبا للنظريات والمبادئ ، يا أخي هاتوا حلا ، ثم قولوا ما يحلو لكم ، نحن لا نفقه شيئا مما تتفوهون به ، ولكن كنا نأمل خيرا ، أما الآن فأنا لست مستعدا لأخسر المزيد من أفراد أسرتي، سوف أرحل تاركا لكم كل القرية .
وبعد وعود من المختار ، وحلف الأيمانات ، عدل عن رأيه ، شرط أن يفيها المختار في أقرب وقت .
ومنذ ذلك اليوم ، ظهرت جماعة جديدة في القرية يترأسها أبو إبراهيم شعارها **إما الحلول السريعة ، وإما الرحيل عن القرية **
لكن النزاعات بقيت على حالها في المضافة ، سوى أن كل فريق يحاول أن يكسب أبو إبراهيم إلى صفه .
وفي إحدى الصباحات بينما القرية تستيقظ وهي ما تزال تترنح تحت غطائها الأسود ، والموت يلفها من كل جانب ، ارتفع صراخ أحدهم من الجهة العلوية من صوب الجبال ، وهو يدخل أزقة القرية، فبرزت الرؤوس من الأبواب هنا وهناك ، ونبح كلب ، وصدر من إحدى الحظائر خوار بقر ة تحتضر ، والصوت يقترب مفجوعا يصرخ بجنون :
ـ يا أهالي القرية .. يا مختار .. إنه الموت .. استيقظوا !
جفلت أرواحهم ، ركضوا إليه بينما كان الراعي النحيل متوجها إلى المختار :
ـ إنها نهايتنا ... الموت خلفي تماما .
أحاطوا به أمام بيت المختار ، وكان قلبه يغلي ، ونفسه تفيض بالذعر ، والكلمات تقف في حلقه، والزبد يتطاير من فمه ، اجتاز المختار الواقفين بخطوات سريعة ، وانتصب أمام الراعي يتأرجح :
ـ هدئ من روعك يابني ، وحدثنا عن هذا الموت الجديد الذي تصطحب أخباره معك .
لكن الشاب كانت ماتزال أحشاؤه تتلوى من هول مارآه ، وفراديس وجهه لا تُفسر تحت الصبغة السوداء ، يبدو أنه قد بقي تحت المطر طويلا .
صمت الجميع و ساد السكون قليلا ، اللهم إلا لهاث الراعي(( هو شان ))وصوت المطر الذي يرتطم بالأرض .
كانت قلوب القرويين قد بلغت حناجرهم ، وأجسادهم ترتعش ، وكأنها تعلن عدم احتمالها المزيد .
مزق صوت المختار السكون :
ـ تكلم .. هات ماعندك .
وبدأ هوشان الكلام :
ـ يامختار إنه الموت بعينه ، بشرفي الموت الأكيد ، يجب أن نرحل ، أن نترك هذه القرية الملعونة، وإلا أصبحت قبرا جماعيا يبتلعنا جميعا .
أخذ نفسا عميقا ، واستدار نحو القرويين :
ـ الصخرة .. الصخرة الكبيرة ، تلك التي هناك بين الجبلين .
وأشار بيده نحو الهناك ، فاقشعرت الأبدان ، وطارت الأبصار نحو الجبلين ، فو قهم ، وكاد هوشان ينفجر بالبكاء ، ليعبر بالدموع عما شاهده :
ـ الصخرة .. إنها تحبس وراءها بحيرة عظيمة من المياه ، بشرفي إنها لن تقاوم دفعها لو استمر سقوط الأمطار أكثر ، لأني كنت هناك ، وسمعت بأذني قرقعتها ، وهي تتقهقر .
وسقط على الأرض وكأنه يقول بذلك .... إني بلغت وعليكم العمل ....
توقفت القلوب عن الخفقان ، والحناجر عن الكلام ، والأجساد تسمّرت و فارقتها الحركة ، ونهضت في العيون صورة قرية جائعة متفسخة يلتهمها طوفان أسود ، يسحقها بلا رحمة .
وعلى الفور خرَّ الشيخ عبد الجليل ساجدا يبكي ، ويرفع يديه إلى السماء :
ـ العناية ... العناية .. إننا ضعفاء .
لكنها لطخت وجهه بالصبغة السوداء ، جلس المختار القرفصاء ممسكا رأسه براحتيه ، يحوقل في خيوط المياه وهي تنساب بين الوحول صامتا ، واستند العجوز أبو ياسين إلى جدار المضافة، كانت أسنانه تصطك ، وشفتاه ترتجفان ، وأنفاسه متقطعة ، يبدو عليه أنه يقاوم كي يظل واقفا .
واحتارت نظرات القرويين بين الصخرة ، وبين الأعيان ، وخلف صفوف الرجال كادت النساء يغشى عليهن ، والأطفال يتعلقون بأطراف أثوابهن ، ازداد نحيب الشيخ ، و علا نشيجه ، وراح يمّرغ وجهه بالوحل ، انتفخت عروق رقبته ، وصاح في الجميع :
ـ اسجدوا أيها العصاة ، أقسم إنها لعنة ، حلّت عليكم عقابا لكم .
وتمرغ الجميع بالطين ، وكل منهم يعدد في سره أخطاءه ، ويعتقد أنه هو المسؤول عما يحلّ بالقرية.
وتدخل الأستاذ من جديد :
ـ أيها الجاهل أنت تسلّمهم قرابين للموت ، ألا تخجل من نفسك ، إن الآن وقت العمل
هيا أيها الأخوة ، لندعّم الصخرة ، ونرمّم شقوقها ، ونفتح لها مسارب من الجانب الآخر .
أعجب القرويون بهذا الرأي ، فنهضوا .
عندما شاهد الشيخ ذلك ، حشد جماعته مرة أخرى ، وبدأ يدافع عن موقفه بحزم ، واندلع النزاع مجددا ، وراحوا يتراشقون النعوت والشتائم ، ولكن هذه المرة لم يكتف أبو إبراهيم بالمشاهدة والمراقبة عن بعد . بل انقض عليهم مع جماعته ، واشتعل العراك ، وراحت الهراوات الغليظة ، ترتفع وتنزل ، والمختار ما يزال يتنهد :
ـ حسبنا الله ونعم الوكيل !
لكن ذلك لم يدم طويلا ، فلقد سمع الجميع دوي انفجار كبير من الجهة العلوية من صوب الجبال .
...................................................................................................

2007 حلب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق