الأحد، 26 فبراير 2017

"الحبّ أن" والرحلة الممتعة قراءة في ديوان "الحبّ أن " للشاعر فراس حج محمد بقلم الأديبة سمر لاشين / مجلة تجمع الأدباء والكتاب السوريين والعرب الأحرار / رئيس التحرير محمد أحمد خليفة






"الحبّ أن" والرحلة الممتعة :

جذبني ذاك الإهداء الرقيق البسيط، من شاعر إلى امرأة وصفها أنها تحب الشعر وفيروز. ما يجعل القارئ يكون صورة خياليه لها؛ أنها حالمة رقيقة تستحق ما كتب الشاعر من كلمات، وبغريزة وفطانة امرأة أظنها هى من كتبت: "الحب أن تتلو قصيدة صامتة على مسامع قلب ينشد نبضه فى محراب عاشق أفاضته السماء فى لحظة جنون إلهي". تناول الكتاب محاور أساسية، وجوانب، وأشكال مختلفة للحب منها:

1- أبعد من حب وامرأة وقصيدة:
هذا العنوان الذي وضعه الشاعر تناول من خلاله ما يأتي:
عندما يصف الشاعر المرأة التى يحبها، أنها امرأة من المطلق، فهذا الشاعر عاشق، يكتب بنبض قلبه، قبل حروف قلمه. فحبيبته قد أثرت فى روحه، وعقله، وتملأ كيانه كله، وليست كأي امرأة فى سطر عابر على حد قوله: "أحبك يا أناي المصبوغة بأنفاسِ روحك"، وأضاف أن ذلك لا يكفي للتعبير عما يشعر به نحوها. هذه العبارة زلزلتني كأنثى لما فيها من الحب والصدق النادر جداً.
تحدث الشاعر عن حبه الذى خلق من رحم الصداقة، وأن اجتماع الحب والصداقة معا قدر نادر الحدوث. أوافقك الرأى يا صديقي المرأة تحتاج فى حبيبها جانب الصديق قبل الحبيب، لأن بعض الأمور التى لا مجال فيها للكتمان مع الصديق يتم فيها التعامل بحذر مع الحبيب.
والجميل عندما تكون ملهمة الشاعر شاعرة تجعله يكتب القصيدة تنبعث منها الحياة، والبهجة حتى في سطور الحزن فيها، والأجمل من هذا وصفك لها: "كم هي جميلة شاعرة عظيمة، وهي تلهم شاعرها ليكتب كما تحب القصيدة/ الحبيبة وتشتهي"

2- الفكرة العامة التى اختارها الشاعر لديوانه "كتابة الحب من أجل الحب"
أراد الشاعر جعل كتابه بمثابة دستور فى الحب بكل أنواعه: حب الله، حب الحبيب، حب الصديق، حب الحياة، وحب الذات. وهو يريد من خلال دستوره جعل الحب متحرراً وحراً.

3- كيف لهذا الحب أن يحتل ذاكرتي وكل كياني؟!
بدأ الشاعر ديوانه، بهذا السؤال، وكأنه لا يطرحه للبحث عن إجابة له، بل لكي يرسم الصورة فى ذهن القارئ من بداية الرحلة حالة العشق التى نبتت فيها بذور هذه الكلمات. وافتتح القصيدة بذكر الله ليكون بداية طريقه للحب. وتحدث عن حبيبته التى ترسم له الجمال فى كل شيء وذكر فيروز تلك التى تحبها حبيبته، والمكان الذي تعيش فيه بيروت وفى هذه القصيدة نجد كل شيء يرقص فرحاً وحباً للحياة.

"الحب أنك ههنا كمعنى سرمدي
ترقصين شعاعا لا يمل من الفرح الجميل
ترتلين الأغنيات
وتملئين الصوت
وتسكبين العطر شوقاً للحياة"

4- الحركات المئة والعشرون
هى بنود وقواعد الدستور التي وضعها الشاعر للحب، وسنتناول بعضاً منها:

•الحب أن يظل مجنوناً بها كأول مرة عرفها ولن يفيض حباً إلا فى حضرتها.

•الحب أن يهديها ما تحب ليجعلها تنتظر رسائله بلهفة أنثى، ولأنها شاعرة ستكتب له قصائد تحمل العشق والشوق فى سطورها..

"الحب أن أهديك أغنية
لفيروز بعد صلاة الفجر
وقبل بزوغ النهار بشمس واحدة
أراكِ وأرتوي
وأن القاك تنتظرين رسائلي بلهفة أنثي
وتكتبين قصيدة أخرى مراوغة
وتحملين الشوق عشقا لا ينام"

•الحب هو الاتفاق على جملة عفوية واحدة تتحول ذات يوم قصيدة.

• فى مواضع كثيرة تناول الحب بمعناه الجسدي :
نجد الشاعر عندما تناول الحب بمعناه الروحي حلق بنا إلى عنان السماء فى نشوة فرح وعرس للروح. وعندما تناول الحب بمعناه الجسدي جسّد بمهارة شاعر يجيد رسم الكلمات مرة بصورة واضحة ومرة بصورة مستترة تظهر حاجه الإنسان الجسدية من الحب والتى يحتاجها ويعجز أو يخجل من البوح بها، بيّنها فى صورة راقية لا تخدش الحياء مما أعطى جمالاً وقيمة للنصوص. أراد أن يقول إن الحب الروحي وحده، لا يكفي كما أن كتابة قصيدة لا تكفي ولا تروي ظمأ الحبيب:
"تعاتبني امرأة الكلام
على قصيدتي الأخيرة تقص أحلامي مساءً على مهل من السرد الشهي
وتسكن فى جواري مثل طير ناعم
ومهيأ للاحتواء
بعد يوم مرهق من الإنتظار
وفى موضع آخر ...
الحب أن لا تهربي
إلا لتجري فى يديّْ
وأن تقعي رذاذاً ناعماً
يختال فيك شهوتيّ "

• الحب أنك لن تضل ولن تصل.. تركيبة غريبة وعجيبة لا تحدث إلا إذا كنت فى حالة حب.. أن تكون بين بين.
"الحب أن لا تصلا
والكأس ملأي والشفاه عطش
وأن تبقى وحيداً تؤلف أغنياتك وحدك"

• ينتقل الشاعر بالقارىء، إلى مواطن أخرى للحب، أكثر عمقا، تلك المشاعر الإنسانية، والنفسية للإنسان، والتى قد لا ينتبه لها الجميع، حتى وإن كان عاشقا، ولكنها موجودة، ولا بد من التعامل معها بحذر وحب...
"الحب أن تتصرفي بعفوية
وأن تبكي
وتحتملي مني حماقاتي الكثيرة
وتصدقيني القول والإحساس والغيرة"

• فى دستور الشاعر فإن الحبيبة لا مثيل لها لدرجة أنه يستغني بها عنه..
"الحب أن أبحث عن عطر قرين
بعطرك الأنثوي
فلا أجد
لعلي ألقاك يوماً
فأستغنى بك عني
وتحتويني بكلك هذا المشتهى والمنتشي"

• الحب هو إعطاء الحرية وعدم فرض قيود على الحبيب
"الحب أن تنطلقي
عيشي.. غردي
وصلي الحياة بمائك الحيوي"

• نجد الشاعر متأثراً بمهنته في كتابة الشعر
ظهر ذلك فى أكثر من موضع فى ديوانه، مثلا يشير فى موضع أن هذه الحبيبة هي ضوء الفكرة لكل ما يكتب، بل يضيف وصف أكثر عمقاً يظهر أهمية هذه المرأة، ومكانتها عنده فيقول: "أن القصائد دونك محض صدفة"، ثم ينتقل بنا ليتحدث عن القصيدة كأنها كائن مثلنا له نبض ويشعر بما نشعر به. ويبين العلاقة بين الحب والقصائد التى ترجمت هذا الحب: "القصيدة كائن كالحب فينا فلن يمل من الندى"، وكذلك قوله:
"الحب لم ينفد وإن نفد القصيد في هذا الكتاب
فلتقرئيني مرة من بعد مرة
كلما بزغ الهوى يوماً جديداً"

5- ما قبل المشهد الأخير
قبل نهاية الرحلة بقليل فى هذا الديوان أراد الشاعر أن يتكلم مرة بلسان حال الرجل ومرة بلسان حال المرأة بشكل مترابط حتى يجعلنا نشعر بمعنى الحب من طرفي المعادلة من رجل وامرأة ومشاعر تترجم تلك العلاقة بينهما. ما كتبه الشاعر كان تجسيداً لتلك المشاعر بصورة تجعلها أقرب إلى الحقيقة وأقرب إلى الشعور الإنساني بها.

6- الخاتمة
جاءت خاتمة الديوان صورة خيالية بديعة تعكس الصورة التى يريد الشاعر أن تظل فى ذهن القارئ أو آخر لوحة يريد أن تكون شاملة لكل ما سبق من التماهي فى الحب/ التلاشي والذوبان الروحي فيه:
"لا أريد لأى شيء أن ينقطع
أريدك أن تتدفقي داخلي
كنهر لا يكف عن الجريان"
أريد أن أعيد هنا كل ما كتبه الشاعر عن الحب وكل البنود التي وضعها فى دستوره للحب، ولكنها أعمق وأصدق من أتناولها بالتعقيب فى سطور. لقد استمتعت بكل حرف، وكل كلمة، وكل معنى، أراد الشاعر من خلاله إظهار الحب بصورته الشفافة الصادقة بحرفية وموضوعية و صدق نادر.
شكراً أستاذ فراس على هذه الرحلة الممتعة فى ديوانك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق